الشيخ عبد الغني النابلسي
83
مفتاح المعية في دستور الطريقة النقشبندية
الطريقة الثانية : في سبب الوصول وحصول المعرفة وهي أسهل الطرق وأقربها ، وهي التوجه والمراقبة ، وهو أن يلاحظ ذلك المعني المقدس الذي بغير كيف ولا مثال له ، المفهوم من الاسم المبارك ، نعني « اللّه » بغير عبارة عربية أو عبرانية أو فارسية أو غيرها ، تلاحظه وتحفظه في خيالك وتتوجه بجميع قواك ومداركك إلى القلب الصنوبري وتداوم على هذا الأمر بتكلف منك في ملازمته حتى تذهب الكلفة من البين ويصير هذا الأمر لك ملكة ( الطريقة الثانية ) غير الطريقة الأولى ( في ) بيان ( سبب الوصول ) إلى اللّه تعالى ( وحصول المعرفة ) للمريد السالك ، ( وهي أسهل الطرق ) على العبد ، ( وأقربها ) عليه في حصول المطلوب ، ( وهي التوجه ) بالكلية ظاهرا وباطنا إلى اللّه تعالى مع ترك الشواغل والموانع ( والمراقبة ) له تعالى على كل حال في السر والعلانية . ( و ) بيان هذه الطريقة ( هو أن يلاحظ ذلك المعنى ) أي المقصود ( المقدس ) أي المطهر عن مشابهة الحوادث ( الذي ) هو موجود ( بغير كيف ) له حتى يمكن أن يفهم ، أو يعقل ( ولا مثال له ) في عالم الملك والملكوت والجبروت ، ( المفهوم ) بطريق الغيب المطلق ( من الاسم المبارك ) العظيم ، ( نعني ) - أي نقصد به - ( اللّه ) تعالى ( بغير ) واسطة ( عبارة عربية ) أي واردة في لغة العرب ، ( أو عبارة عبرانية ) أي في اللسان العبرانية ، وهي اللغة التي نطق بها إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم ، حين عبر النهر فارا من النمرود ، وقد كان النمرود قال للذين أرسلهم خلفه : إذا وجدتم فتى يتكلم بالسريانية فردوه ، فلما أدركوه استنطقوه ، فحول اللّه تعالى لسانه عبرانيا ، وذلك حين عبر النهر ،
--> سمّي الشاهد شاهدا إلا لأن ما رآه يشهد بصحة ما اعتقده ، فكل مشاهدة رؤية ، وما كل رؤية مشاهدة ، قال تعالى : ( أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ ) ( محمد : 14 ) . ومن هنا سأل موسى عليه السلام الرؤية بقوله : ( أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) ( الأعراف : 143 ) ، وما قال : ( أشهدني ) ؛ فإنه تعالى كان مشهودا له ما غاب عنه ، وكيف يغيب عن رسول من أولي العزم ، ولا يغيب عن بعض الأولياء ! فما طلب موسى إلا تعجيل التجلي الخاصّ به في الآخرة ، حين طلب مقامه سؤال ذلك في الدنيا . وأما شهوده تعالى الذي يشهد الأولياء فذلك خبره وديدنه من مقام ولايته .